ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

269

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

النهار من ظلمة الليل ، لكن زيف ما ذكر إبان سلخ النهار من الليل يستتبع ظهور الليل من ضوء النهار . وزيفه المصنف أيضا بأن المتفرع على ظهور النهار من ظلمة الليل الإبصار لا الإظلام ، فيقتضي ذلك أن لا يعقب بقوله : فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ " 1 " بل بقولنا : فإذا هم مبصرون . واستصعب الإشكال ، حتى التجأ البعض إلى التعسف ، فقال : عبارتهما محمولة على القلب ، والمراد : أن المستعار له ظهور ظلمة الليل من النهار ، والبعض إلى التكليف بجعل ظهور النهار من ظلمة الليل ، يعني زوال النهار من ظلمة الليل ، وتمسك في ورود الظهور بمعنى الزوال بقول الحماسي : [ وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر ] حيث فسره الإمام المرزوقي بزائل ، وبقول أبي ذؤيب : وعيّرها الواشون أنّي أحبّها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وجعل " من " في قولهما : ظهور ظلمة الليل من النهار ، بمعنى : عن . وذكر الشارح العلامة : أن السلخ قد يكون بمعنى النزع ، نحو : سلخت الإهاب عن الشاة ، وقد يكون بمعنى الإخراج ، نحو : سلخت الشاة عن الإهاب ، والشاة مسلوخة ، فذهب عبد القاهر والسكاكي إلى الثاني ، وغيرهما إلى الأول ؛ فاستعمال الفاء التي للتعقيب بلا مهلة في قوله : فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ظاهر على قول غيرهما ، وأما على قولهما فإنما صح من جهة أنها موضوعة لما يعد في العادة مترتبا غير متراخ ، وهذا يختلف باختلاف الأمور والعادات ، وربما يطول الزمان بين أمرين ، ولا يعد الثاني متراخيا ؛ لأن العادة كانت تقتضي أطول من هذا ، فيستقصره المتكلم ، ويلحقه بالعدم فيجعل الثاني غير متراخ ، ويستعمل الفاء كما في هذه الآية على قولهما ، فإنهما حملا : فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ على ظلمة بعد إخراج النهار من الليل ، وزوال النهار وهو إن كان متراخيا عن الإخراج بساعات النهار ، إلا أن العادة تقتضي أن لا تنقضي مثل هذه الإضاءة إلا في أضعاف هذه الساعات ، ولا يأتي الظلام إلا بعد مهلة ، فيجعل الليل لإتيانه على خلاف العادة كأنه فاجأ عقيب إخراج النهار من الليل بلا مهلة .

--> ( 1 ) يس : 37 .